تواصل فجوة الاستثمار في البنية التحتية عالميًا اتساعها، ويصعب على المالية العامة وحدها سد هذه الفجوة. وتعتبر الحكومات في العديد من الدول نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) أداة رئيسية، لكن العديد من الاقتصادات تعاني منذ فترة طويلة في ملفات مشاريعها من معضلة "كثرة المشاريع وقلة التنفيذ". وتُشكّل الممارسات الإصلاحية الأخيرة للجنة التنظيمية للامتيازات في البنية التحتية في نيجيريا (ICRC) نموذجًا قيّمًا لملاحظة "كيف يمكن للشراكات بين القطاعين العام والخاص أن تجذب رأس المال الخاص فعليًا". وتحاول هذه المقالة تفكيك المنطق المؤسسي الكامن وراء هذه الإصلاحات، وتطرح سؤالًا: ما الذي يمكن لوكالات ترويج الاستثمار أن تتعلمه من ذلك؟
أولًا: لماذا تحظى مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص بالكثير من الإشادة وقليلة التنفيذ؟
تتطلب مشاريع البنية التحتية استثمارات ضخمة ودورات عائد طويلة الأجل، لذا يكون المستثمرون الخاصون حذرين بطبيعتهم. فعند تقييم مشروع ما، لا ينظرون إلى النموذج المالي فحسب، بل إلى البيئة المؤسسية أيضًا. فإذا كانت إجراءات الموافقة غير شفافة، والقواعد غير متسقة، ومعايير العقود مضطربة، فحتى لو كان المشروع نفسه قابلاً للاستمرار اقتصاديًا بدرجة كبيرة، فإنه سيُصنَّف ضمن فئة المخاطر الأعلى من قبل المستثمرين، وقد يُتخلى عنه تمامًا.
من المفاهيم الخاطئة الشائعة أن تنظر الحكومة إلى الشراكة بين القطاعين العام والخاص باعتبارها وسيلة لجذب الاستثمار، على أمل جذب المستثمرين عبر حوافز مثل الإعفاءات الضريبية وتوفير الأراضي. لكن التجربة تُظهر أن الحوافز لا تحل سوى مشكلات هامشية، ولا يمكنها أن تحل محل اليقين المؤسسي. فمشروع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، من التأسيس إلى الإغلاق المالي، غالبًا ما يمر عبر جهات حكومية متعددة: الوزارة المختصة، ووزارة المالية، وهيئات الأراضي والبيئة، والبنك المركزي أو جهات إدارة النقد الأجنبي، وغيرها. وأي خطوة غير متوقعة في أي من هذه الحلقات قد تؤدي إلى تعطّل الصفقة.
كان الوضع في نيجيريا سابقًا على هذا النحو تمامًا: فقد كانت الدوائر الحكومية المختلفة تتعامل مع مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص بصورة مستقلة، بمعايير متفاوتة، ودورات موافقة طويلة، مما جعل من الصعب على المستثمرين تكوين توقعات مستقرة. وهذا هو بالضبط السياق الذي واجهته إصلاحات ICRC.
ثانيًا: ثلاثة تحولات رئيسية أجرتها اللجنة النيجيرية ICRC
تحت قيادة إيواليفوه (Ewalefoh)، تركّزت إصلاحات ICRC على ثلاثة اتجاهات رئيسية.
أولاً: الموافقات المتدرجة، وجعل الصلاحيات واضحة
وفقًا للقواعد الجديدة، تُعتمد المشاريع التي تبلغ قيمتها 20 مليار نايرا أو أقل مباشرة من قبل الوزارة المعنية؛ والمشاريع التي تبلغ قيمتها 10 مليارات نايرا أو أقل تُعتمد من قبل الهيئات التابعة للوزارات والوكالات ذات الصلة؛ أما المشاريع التي تتجاوز الحدود أو التي تشمل جهات متعددة فتُحال إلى المجلس التنفيذي الاتحادي. قد يبدو هذا التغيير بسيطًا، لكنه في جوهره ذو أهمية كبيرة. فهو يحوّل "الموافقة العليا الغامضة" إلى "قرار هرمي واضح"، مما يسمح لأصحاب المشاريع بتوقع مسار المراجعة منذ مرحلة البداية، ويقلل من الانتظار غير الضروري.
ثانيًا: توحيد العقود وخفض تكاليف المعاملات
أصدرت ICRC "نموذج اتفاقية الشراكة بين القطاعين العام والخاص" (Model PPP Agreement) لتوفير قالب عقد موحد لجميع الوزارات والهيئات. وعلى الرغم من أن هياكل الصفقات تختلف من مشروع إلى آخر، فإن البنود الأساسية الموحدة ومبادئ توزيع المخاطر تساعد المستثمرين على فهم بنية العقد بشكل أسرع. وبالنسبة للمستشارين القانونيين والماليين، فإن هذا يعني عددًا أقل من المفاوضات نقطة بنقطة وتكاليف أقل للعناية الواجبة.
ثالثًا: توحيد المدخل التنظيمي وتعزيز مصداقية النظام المؤسسيتوجيه رئاسي يتطلب أن تخضع جميع أشكال مشاريع PPP لمراجعة ICRC، بغض النظر عن مسمى المشروع سواء كان «امتيازًا» أو «مشروعًا مشتركًا» أو «خصخصة». يسد هذا الإجراء ثغرة «الالتفاف على الرقابة»، ويضمن تقييم جميع المشاريع وفق معيار واحد. بالنسبة للمستثمرين، فهذا يعني أن مؤسسة وطنية مسؤولة تتولى فحص قابلية المشروع للتمويل البنكي، وتوزيع المخاطر، وقيمة المال العام، بدلاً من مواجهة قواعد مختلفة تمامًا بين جهة وأخرى.
خلف هذه التحولات الثلاثة، يكمن تغيّر في فهم جوهر PPP. لم يعد يُنظر إلى PPP على أنه «أسلوب آخر من أساليب المشتريات الحكومية»، بل «شكل من أشكال التعاملات في أسواق رأس المال»، يتطلب اتباع لغة أسواق رأس المال وانضباطها.
ثالثًا: استخلاص إطار منهجي قابل لإعادة الاستخدام من التجربة النيجيرية
بالنسبة لهيئات ترويج الاستثمار (IPA) والجهات الحكومية ذات الصلة، تقدّم الحالة النيجيرية إطارًا من «ثلاث مراحل» لتشخيص وتحسين بيئة ترويج مشاريع البنية التحتية.
المرحلة الأولى: التشخيص المؤسسي والشفافية
لا تتعجل في تجميل المشروع. الخطوة الأولى هي استعراض العملية الكاملة للمشروع من الفكرة حتى الإغلاق المالي، وتحديد كل نقطة موافقة، والجهة المقررة، والمهلة الزمنية. ثم نشر مخطط التدفق هذا أمام السوق. المستثمرون لا يخشون طول العملية، بل يخشون عدم وضوحها. العملية الشفافة بحد ذاتها تُطلق إشارة إلى أن «الحكومة تحترم التعاملات».
المرحلة الثانية: إعادة هندسة العمليات وبناء المعايير
استنادًا إلى التشخيص، يتم تعزيز الموافقات المتدرجة، والنماذج الموحدة، وآليات التنسيق بين الجهات. يجب أن تراعي الموافقات المتدرجة الكفاءة الإدارية، وأن تمنع في الوقت نفسه فقدان السيطرة على المخاطر، ويمكن وضع مصفوفة صلاحيات وفقًا لأبعاد مثل قيمة المشروع، والطابع متعدد الجهات، والمخاطر المالية. يجب أن تتضمن النماذج الموحدة بنودًا أساسية مثل توزيع المخاطر، وآلية تعديل الأسعار، وحل النزاعات، والإنهاء المبكر، مع السماح بالخروج عنها في حالات خاصة بعد موافقة الجهة التنظيمية.
المرحلة الثالثة: دعم الصفقات بهدف «القابلية للتمويل»
تحتاج هيئات ترويج الاستثمار إلى تكوين فريق على دراية بتمويل المشاريع، أو الاستعانة بمستشارين خارجيين للصفقات، لمساعدة الطرف الحكومي، خلال فترة الإعداد للعطاء، على تصميم هيكل المشروع بطريقة تستطيع المؤسسات المالية فهمها وتكون مستعدة لإقراضها. ويتضمن ذلك: توزيعًا معقولًا للمخاطر، وتوقعات واضحة للطلب، وآلية دعم حكومية محددة، ومراجعة مستقلة لخط أنابيب المشاريع. القابلية للتمويل لا تُكتب في وثائق المشروع، بل تُصمم عبر هيكله.
في الوقت نفسه، يجب تجنب ثلاثة مطبات شائعة:
- الموافقات المتدرجة لا تعني فتح الباب أمام البحث عن الريع، بل تتطلب إنشاء نظام تتبع إلكتروني للموافقات وتدقيقًا دوريًا؛
- العقود الموحدة لا يجوز تطبيقها بشكل آلي، بل يجب إتاحة مسار لطلب «البنود الاستثنائية»؛
- الرقابة الموحدة لا ينبغي أن تتحول إلى عنق زجاجة جديد، بل تتطلب تحديد مهلة زمنية داخلية وآلية للتظلم.
رابعًا: اتجاهات جديدة جديرة بالاهتمام
يشهد ترويج الاستثمار في مشاريع البنية التحتية تداخلًا متزايدًا مع التقنيات الجديدة والقضايا العالمية. الاتجاهات التالية تستحق متابعة مستمرة من العاملين في المجال.
1. فتح البيانات والسجل الرقمي للمشاريععند اتخاذ القرارات، يولي المستثمرون أهمية قصوى لموثوقية البيانات. إذا تمكنت الحكومة من نشر المؤشرات الرئيسية للمشاريع، وملخصات العقود، والمعلومات الجغرافية، والبيانات البيئية، وسجل الأداء التاريخي وغيرها بتنسيق قابل للقراءة آليًا، فإن ذلك سيعزز بشكل ملحوظ مصداقية قاعدة بيانات المشاريع. بل يمكن للأرشيف الرقمي للمشاريع أن يساعد المستثمرين في إجراء مسح أولي للمخاطر، والحد من عدم تماثل المعلومات.
2. المراجعة بمساعدة الذكاء الاصطناعي والإنذار المبكر بالمخاطر
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتولى مهام مثل التحقق من اتساق العقود، والإنذار المبكر بالمواعيد النهائية للموافقات، وتحليل مخاطر المشاريع التاريخية. إن إدخال الجهات التنظيمية للذكاء الاصطناعي لا يهدف إلى استبدال الكوادر المتخصصة، بل إلى أتمتة جزء من الخبرة المهنية، بحيث تواكب سرعة المراجعة إيقاع السوق.
3. تفضيلات ESG والبنية التحتية الخضراء
يتجه رأس المال العالمي بوتيرة متسارعة نحو الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG)، ويولي مستثمرو البنية التحتية اهتمامًا متزايدًا بتأثير المشاريع على المناخ والمجتمعات. إذا تمكنت مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) من دمج المعايير الخضراء والتقييم الاجتماعي في مرحلة التصميم المبكرة، فإنها ستكون أقدر على جذب رؤوس الأموال طويلة الأجل، مثل صناديق التقاعد وصناديق الثروة السيادية.
4. رأس المال متعدد الأطراف والتنافس الجيوسياسي
أصبح تطوير البنية التحتية ساحة مهمة للتنافس الدولي. تمتلك الدول والمناطق المختلفة أدواتها التمويلية ومعاييرها الخاصة لتنفيذ المشاريع. تحتاج وكالات ترويج الاستثمار إلى فهم تفضيلات ومتطلبات الامتثال لرؤوس الأموال من المصادر المختلفة، لمساعدة المشاريع المحلية في العثور على أنسب شركاء التمويل.
الخاتمة
لا تزال إصلاحات اللجنة النيجيرية لتنظيم الامتيازات في البنية التحتية (ICRC) جارية، وسيُقاس إنجازها الحقيقي بعدد المشاريع التي ستتمكن في السنوات القادمة من إتمام الإغلاق المالي بنجاح، والانتهاء من البناء، والدخول في مرحلة التشغيل. لكن منطق التصميم المؤسسي أصبح واضحًا بالفعل: في ترويج الاستثمار في البنية التحتية، فإن "توفير اليقين" أهم من "تقديم الحوافز".
لكل دولة ولكل مدينة بيئتها المؤسسية وخلفيتها الثقافية الخاصة، لكن الاتجاه العام واحد — تقليل عدم اليقين، وخفض تكاليف المعاملات، وجعل رأس المال راغبًا في البقاء.
بالنسبة للممارسين في مجال ترويج الاستثمار على المستوى العالمي، هناك سؤال يستحق التأمل المتكرر: هل نروّج للمشاريع، أم نبني سوقًا تحظى فيه المشاريع تلقائيًا باهتمام رأس المال؟ الإجابة هي التي تحدد القدرة التنافسية طويلة الأجل.